محمود توفيق محمد سعد

274

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

يقول في آية البقرة : " ولمّا سوّى بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم بالبهائم ، ولمّا كان الغبيّ قد يسمع أو يبصر ، فيهتدي ، وكان [ الاحتياج ] إلى السمع أضر لعمومه ، وخصوص البصر بأحوال الضياء نفى السمع ثمّ البصر تسفيلا لهم عن حال البهائم ، بخلاف ما في " الجاثية " فإنّه لمّا أخبر فيها بالإضلال ، وكان الضال أحوج شيء إلى سماع الهادي نفاه ، ولمّا كان الأصم ذا فهم أو بصر أمكنت هدايته وكان الفهم أشرف نفاهما على ذلك الترتيب " « 1 » ويقول في تأويل آية " الجاثية " : " ولمّا كان الضالّ أحوج إلى سماع صوت الهادي منه إلى غيره ، وكان من لا ينتفع بما هو له في حكم العادم له قال : ( وختم ) أي زيادة على الإضلال الحاضر ( على سمعه ) فلا فهم له في الآيات المسموعة . ولمّا كان الأصم قد يفهم بالإشارة قال ( وقلبه ) أي فهو لا يعي ما من حقه وعيه . ولمّا كان المجنون الأصم قد يبصر مضاره ومنافعه فيباشرها مباشرة البهائم قال ( وجعل على بصره غشاوة ) فصار لا يبصر الآيات المرئية وترتيبها هكذا ؛ لأنها في سياق الإضلال كما تقدم في " البقرة " . " « 2 » بيّن أن البقاعي لم يتوقف في تأويل مشتبه النظم في الآيتين إلا عند التشابه في الترتيب بين القلب والسمع والبصر ، إذ قدّم السمع على القلب في الجاثية من بعد أن كان مقدما القلب . وهو لم يتوقف عند إعادة الجار في البقرة مع السمع والقلب ( على قلوبهم وعلى سمعهم ) وتركه في " الجاثية " ( على سمعه وقلبه ) وكذلك لم يقف عند الإتيان بالجملة الاسمية في " البقرة " ( وعلى بصره غشاوة ) بالرفع ، وبالجملة الفعلية في " الجاثية " ( وجعل على بصره غشاوة ) . . . ومن هذا ما تراه من تبينه لنا وجه البيان بقوله عزّ وجلّ في سورة البقرة : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( البقرة : 35 ) وبقوله عزّ وجلّ في سورة " الأعراف " : وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( لأعراف : 19 )

--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 1 / 96 ( 2 ) - السابق : ج 8 / 96 - 97